الرئيسية / دراسات / تدريسيات الموصل: العيش على “نهج أمهات المؤمنين” تحت تهديد القتل والعمل الأجباري (التحقيق الفائز بالمرتبة الثانية في مسابقة شيفا كردي)

تدريسيات الموصل: العيش على “نهج أمهات المؤمنين” تحت تهديد القتل والعمل الأجباري (التحقيق الفائز بالمرتبة الثانية في مسابقة شيفا كردي)

سهى عودة / الموصل

مابين جيوب معطفها والتمثال المعلق الذي برز جهازه الهضمي بوضوح،  تنقل كفيها في محاولة يائسة للتخلص من البرد الذي يملأ القاعة. صفٌ، جدرانه الأربعة يكتسيها البياض القاحل، مُلئ بمقاعد دراسية خلت غالبيتها من تلاميذها. شباك بقياس متر  واحد هو منفذ الضوء الوحيد، تم تغطيته بقماش سميك لترفع الطالبات خمورهن السوداء ويواصلن الدرس في مكان تسكنه العتمة، ويقف خارج أبوابه عناصر “الحسبة” متجولين بأسلحتهم بين أروقة الكليات والصفوف. هكذا وصفت (شادية) أستاذة في أحدى الكليات الطبية في مدينة الموصل الوضع في صفها الدراسي.

إختلاف الانتماءات وشجارات داخل الصف بين الطالبات:

تقول شادية: “يجب أن أكون يوميا في الكلية عند التاسعة صباحا، فتنظيم داعش يجعلني أعمل بشكل قسري  ومنذ العام الماضي لم أتسلم راتبي”

لدى شادية عشرون طالبةً في الصف بعضهن هربن للدراسة من حياة الملل والضجر داخل البيوت الموصلية، التي  عرفت الجوع  والفقر المدقع وبات يسكن زواياها الخوف المستمر من الموت المؤجل سواء بصواريخ مقاتلات التحالف أو على يد عناصر “داعش”.

وبعضهن الأخر يأتين بدافع أن “الحياة مستمرة بشكلها الطبيعي والتنظيم لا يمنع تعليم النساء”. هؤلاء اللواتي ينتسب أباءهن للتنظيم يعرفن طعم الترف ويجئن صباحا ببطون يملأها الطعام، فبيوتهن يسكنها الدفئ لتوفر الوقود فيها، الذي باتت تفتقده بيوت الموصليون منذ دخل الشتاء القارص.

تصف الأستاذة حال طالباتها بالقول “إختلاف الانتماءات فكريا بين الطالبات يؤدي الى نزاعات يومية بينهن، ما يلزم تدخلي و الأدارة في الغالب لفضها”.

في حادثة أخرى ذكرت لنا إحدى الطالبات أنها قالت يوما امام زميلاتها داخل قاعة الصف “يا الله الفرج”  فتصدت لها الأخريات بالضرب ووصفنها بـــ”الكافرة”، فالدعاء بالفرج يعني تمني زوال ما يسمى بـــ  “الدولة الاسلامية”.

دروس “العقيدة” تشرحها السوريات والأردنيات

تضيف شادية: “ أجرة النقل مابين المنزل و مقر عملي هي من أكبر تحدياتي اليومية، إضافة لمروري قرب بوابة الكلية التي نسميها سرا (معبر رفح) دون ان أسبب غضب الحرس الداعشي على ملبسي”.

وتقول” الحرس منع دخولي مرة لأن حقيبتي ملونة ومرة لأن حذائي أصدر صوتا وكاد يعتقلني لأنني رفعت صوتي رافضة لكنه أكتفى بطردي ومنعي من الدخول فعدت البيت باكية”.

يتولى  القسم الاعلامي لتنظيم “داعش” نشر المئات من “البوسترات” والأعلانات داخل الكليات و في شوارع الموصل لصور تظهر زيا نسائيا أسود كتب عليها “لباسك الشرعي جنتك”، وملصقات أخرى تنصح الرجال بعدم لبس “الجينز” واستبداله بـــ “بنطلون واسع” والحرص على “إطلاق اللحية” مع ضرورة “غض البصر”.

الكليات والمعاهد الطبية هي فقط من سمح لها “تنظيم الدولة الأسلامية” بالدوام مع ملاحظة تغيب عدد كبير من الطلبة، فالتنظيم أغلق كليات كثيرة في جامعة الموصل ومنع دوام الفتيات في كليات الهندسة وقلص سنوات التعليم في الصيدلة وطب الأسنان الى ثلاثة أعوام وأربعة لكلية الطب العام.

أما بالنسبة للمناهج الطبية فـــ “ديوان التعليم” لم يقم بتغييرها، غير أنه فرض مادة “العقيدة” التي كنا قد حصلنا على نسخة الكترونية منها. و تركز هذه المادة في مواضيعها على معاداة وتكفير “الديمقراطية، الوطنية، المساواة بين الرجل والمرأة، العلمانية، إضافة الى تكفيره لحزب البعث” فهو يعتبرها وسائل “تنقض أصل الدين الأسلامي وتحارب تعاليمه”.

تقول شادية “الطالبات يتلقين دروسا للعقيدة مرة واحدة أسبوعيا لمدة ساعتين  ليتم تهيأتهن أخلاقيا على نهج أمهات المؤمنين من وجهة نظر التنظيم“

وتضيف “ مادة العقيدة تقدمها لنا وللطالبات نساء أردنيات وسوريات الجنسية يعملن في صفوف التنظيم”.

يذكر أن كلية طب الأسنان ومخازن المعهد التقني إضافة الى كلية الزراعة قد تعرضت الى قصف جوي شنتها مقاتلات التحالف الأسبوع الماضي ماتسبب بأضرار مادية بالغة ومقتل وإصابة عشرة طلاب بينهم ثلاث فتيات.

“لا” قالها تدريسيوا الموصل لتنظيم “الخليفة”

وضع التعليم داخل المدارس لايختلف كثيرا عن الكليات، فالمدرسات يعملن رغم أعتبار الحكومة العراقية لرواتبهم “مدخرة إجباريا”، ووسط خوف يهدد حياتهن من عناصر “ديوان التعليم” الذين يقومون بزيارات شهرية الى المدارس.

(ريا سالم) تعمل مديرة مدرسة للبنات الشابات متزوجة ولديها أربع بنات تركن التعليم منذ سيطرة التنظيم على المدينة.

تقول ريا: “حصل أن أعترضت على المنهج الدراسي أمام الطالبات فتلقيت تهديدا شديدا من والد إحداهن في اليوم التالي”.

هذا وكان التنظيم قد الغى فقرة دفع الرسوم التي فرضها على الطلاب في بداية أيلول الماضي في محاولة منه لجذب التلاميذ ممن إمتنع أهاليهم عن إرسالهم الى المدارس.

“لدينا في المدرسة أربعون طالبة فقط من أصل ثلاثمائة طالبة، ورغم هذا يجبرنا التنظيم على فتح المدرسة” هذا ماقالته مديرة المدرسة.

وكان التنظيم قد وزع إستبيان على الكوادر التعليمية في مدارس الابتدائية طرح فيها سؤال “هل ترغب بالدوام أم لا”. وقام التنظيم بإلغاء فكرة الاستمرار بهذا الاستبيان في مدارس الثانوية بعد أن تبين “ نسبة  ٨٠٪ من الأجوبة كانت “لا” على حد قول ريا.

وتقول “ أجاب المعلمون بالرفض ولم يكونوا خائفين لأن الاستبيان لم يحمل أسماءهم وهذا برأي نوع من المقاومة حتى وإن بدت خجولة”.

“فقه الشريعة” يجيز ختان الإناث

 

فقه الشريعة هو كتاب خصصه التنظيم لطالبات المرحلة الثانوية مثلما خصص كتاب الأعداد البدني القتالي لمدارس الأولاد في الثانوية. لو حاولت قراءة “فقة الشريعة” ستجد أنه يركز على الأيات والأحاديث التي تخص “طهارة المرأة من النجاسة والحيض” و تجيز “ختان الأناث”.

وعن ذلك قالت مديرة المدرسة “ أفكار كتاب فقه الشريعة الداعشية الهدف منه تعريف المرأة ماهو الخضوع بعينه، و يصور للطالبات أن التناسل هو الغاية الأساسية من وجودهن كأناث”.

 

ولن تختلف صورة المرأة عند إطلاعك على مادة “القراءة” للمراحل الأولى في مدارس الابتدائية، فالمرأة صورت بلباس أسود داخل المنزل يحيطها الأطفال وتقف خلف الرجل “المجاهد” بسلاحه ولحيته الطويلة. فأي مستقبل ينتظر أطفالا وشبابا يتربون على إقصاء الأخر وعداوة الأفكار؟

 

عن IWJF

شاهد أيضاً

اثر البيئة الامنية على سلامة وحماية المدافعات عن حقوق الانسان

  د. علي عبدالعزيز الياسري – باحث في شؤون الديمقراطية والامن القومي .   (( …

Translate »